وقعَتْ من سريرتِي غيمتا صيفْ ،
فالّفتُ في سريري شتاءَ
غيرَ أنّ السمَاءَ لم تُعطٍ ماءَ
وقَعَتْ من طفولتِي حبّةُ اللوزِ
و ما زلتُ أحفِرُ الأرضَ ،
لوزُ الكونِ لم يُغنِ ،
مأدباتُ الجنُودِ ، العِزُّ ، إرثُ الجُدُودِ ، بيتُ الخلُودِ ،
الأرضُ -
لمْ تُعنِ ،
هل أعُودُ ، إلى البيتِ ، من البيت ، أم أرى الأصدقاءَ ؟
لم أُصدّقْ ،
إنّ المنارَةَ ، إنّ العُشبَ ، إنّ الكلامَ ، إنّ المحطّاتِ ،
و إنَّ الظلامَ وَ الفجرَ قبضُ الرّيحِ ،
رُوحِي مجروحةٌ ،
و صلاحيّاتُ قلبي مفتوحةٌ ،
فهدوءًا :
إنني واقفٌ على ” لم أُصدّقْ “
غيرَ أنّ البحارَ تأمُرُ بالنّورِ ،
و قلبِي بالعُشبِ ،
رائحةُ الإنسانِ تستَدرِجُ الكلامَ ،
القِطاراتُ كلامٌ مُدوّنٌ و المحطّاتُ كتاب،
و آيتي الفجرُ و الظُلمة ,
هبْنِي ، إذنْ ، يدًا فلعلّ الدف يكفِي
هبنِي سرابًا أُصدّقهُ ،
اختَبِرنِي ، فرُبّما كان زرعِي صالحًا للشتاءِ و الصّيفِ ،
- لكن من تُنادِي ؟
- بقيّةُ الشَّمسِ في الشارِعِ ،
- خُذها من بائِعِ التُّحفِ الخَمسِ ،
بسِعرٍ مُخفّضٍ كالبِلادِ و سترسُو عليكَ دونَ مزادٍ
1- أن ترى جمرةً تمُوتُ على الثّلجِ ،
كتابًا يمُوتُ ،
شعبًا يقُولُ المَوتَ ،
2- ألاّ تذُوقَ أطيبَ من لحمِ أخيكَ الصّغِير،
إلا شغافَ القَلبِ من لحمِكَ الأثير ، و لا تدرِي
3- وَ أن تلمِسَ الأفاعِي ،
و تستكشِفَ غرسَ الأنيابِ في مُستَهَلّ الجِلدِ ،
4- أن تَشْتمَّ الدمَ الميْتَ ،
أو رائحَةَ الجيفَةِ المُخيفةِ عبرَ الجَسَدِ الحيِّ ،
5- تسمَعَ الرّعدَ همسًا ،
أو تجيءَ الطبُولُ والرّعدُ ،
من فأرٍ تجلّى في خطبةٍ وطنيّةٍ .
كُلُّ هذي من بائِعِ التُّحفِ الخَمسِ ،
ستبتاعَهَا و أنتَ مريضٌ ، في الفِراشْ
كُلٌّ هذي .. بالجُملةِ العصبيَّة
يا بلاشْ .!
ثُمّ تأتِي و لا تُصدّق أنّ الموتَ حقٌّ ؟
لِحبّةِ اللوز وقعٌ في الهواءِ الأسِيرِ،
في عرباتِ الليلِ ،
في كُوةُ الضميرِ ،
تهدّمتُ و ما زلتُ أحفِرُ الأرضَ ،
تأتيني بلادٌ فلا أراها ،
و يأتيني صديقٌ فأُمسِكُ النّبضَ ،
كأن يَشتَقَّ من خُطوتِي ، ظلّهُ
- هل قتَلتَ صديقًا؟
- أجَلْ
- و كذاكَ صديقي فَعَلْ
بِصديقٍ وحِيدٍ لهُ
هل في البيتِ ماء ؟
أم انتِظارِي هباءْ ؟
كثُرَ الحَرُّ حِينَ مائِي قليلٌ فتكاثرْتُ ،
جفّ غُصنٌ ربِيعِيٌّ ،
و لا سقفَ للمَدى
فتَكَسّرتُ –
أليسَتْ كثيرةً أشلائِي ؟
و أتتْنِي النّساءُ ،
جرّبْتُ ،
كانت فوقَ رأسِي السّماءُ ،
حوّلتُ وجهِي لغبارٍ مضرَّجٍ بالأساطيرِ ،
و ماتتْ أسطورةٌ في سريري
أو بكَتْ ،
أو رأيتُنا مُذ بدأنا :
خَبَرَيْ جُملتَينْ منسيّتينِ اختَفَتَا في وِكالتَي أنباءِ
- يا حبيبي أنا ما تشاءْ
- أنتِ سيّدةُ القلبِ ، سيّدتِي ، لا سواك
و أنا لا أشَاءْ
- يا حبيبي أنا سُكَّرٌ ،
فاستعِرنِي لقهوَةِ هذا الصّباح و شاي المسَاءْ
- أنتِ سُكّرةُ العُمر سيدتِي ،
إنما ليسَ في البيتِ ماءْ
- يا حبيبي أنا لا أراكْ
أشعِلِ الضَوءَ ،
سيّدتِي يخرُجُ الضّوءُ من بذرةِ النّارِ ،
و النّارُ في الاحتكاكْ ،
ثُمّ كانَ احتِكاكٌ ،
و نارٌ ،
و ما كانَ ضوءٌ ،
و لمْ يبقَ ، بعدُ ، سوى بُقعُ النّدمِ النذلِ ،
بُقيا دمٍ خشنٍ يتراجَعُ ،
كان عُواءٌ من الكلبِ و القلبِ يصعدُ :
” في البيتِ ماءٌ “
و كان الفِراشُ المُجعَّدُ يرسِمُ نِصفُ خريطة نصفُ البِلاد ،
و في آخر الوقتِ لم يبقَ من أثرٍ للعِراكْ
- بعدَها : أينَ حبّةُ اللوزِ ؟
- ماذا لو تعثرتَ أو عثرتَ عليها ؟
هل ستُعطيكَ نكهةُ اللوزِ ؟
هل تحلُمُ بالطعمِ نفسِه ؟
هل تظُنُّ العُمرَ يبقى على مرارَتِها الحُلوَة ؟
هل تأملُ الوصُولَ إليها ؟
- وقَعَتْ من طفُولتِي حبّةُ اللوزِ ،
حديدٌ يذٌوبٌ ،
قلبٌ ، يذوبان : اشتياقًا و خيفةً ،
و زمانٌ بالثوانِي يذُوبُ ،
لم يبقَ إلا فزَعُ الطفلِ ، و الجمارِكُ ، و المذياعُ –
تأتِي معاركُ النّصرِ من إحدى محطّاتِهِ ،
فتأتِي أغانٍ و انكِسارٌ مُؤزّرٌ من سِواها
و أنا خائفٌ : قرأتُ كِتابًا لم يُؤلّف ،
و كُنتُ شاهدتُ أرضًا لم يُخوّف أصحابُها بالرغيف الحافِ ما لَمْ . .
سألتُ : كيف يمُوتُ النّاسُ خوفًا و لا . .
هل الموتُ صحِيٌّ ؟
هل الخوفُ كائِنٌ وطنيٌّ ؟
وَ هل الناسُ تستحِيلُ شِياهًا ؟
يسكُنُ الرُعبُ في الأظافرِ ،
بينَ الصوتِ و الصوتِ ،
و الجِدارُ اتهاماتٌ ،
وَ ” ماذا فعَلتُ ” ممنوعةٌ أصلاً ،
فماذا فعَلتُ ؟
جاءَت إشاعاتٌ معَ الحرِّ و الرُطُوبةِ و البَرغَشِ .
قالت : وراءَ هذي البِلادِ الناسُ يمشُونَ ،
يضحَكُونَ . . تصَوّرْ : يضحكونَ !
الْهواءُ ليسَ عدُوَّ الناسِ ،
و النّاسُ يجهلونَ الممالِيكَ ،
تذكّرتُ ساحةَ الشُهداء ، الأمهاتُ الثواكِلَ ، الحربَ ،
جاءَتنِي بِلادِي ، فقُلتُ : ماذا فعَلْتُ ؟
و تذكّرتُ وجهَ أُمّي فمتُّ
فلِماذا يا حبـةُ اللوزِ ؟
تأتِي أُسرةٌ من دَمِ الجَرادِ مُصفـّاةٌ ،
يمُوتُ الأبُ البَخِيلُ ،
و ها هُم : زوّجُوا أمهم فماذا يقُولُ الناسُ ؟
– لو لم يكُن لنا أخواتٌ لورثنا على الأقَلِّ . . .
– عنـّسنا في الممراتِ ، زوِّجُونا نُسامِحكـُم بنِصفِ الذِي . .
لعَلّي قليلُ اليَأسِ ،
يأسِي ما عادَ يكفِي لهذا الأفقِ المُضمَحِلِّ . . ،
أنفِضُ كفّي من غبارِي فتَفتَحَ البَابَ أُمِّي
- ما الذي فعَلتِ ؟
- لم أتزوّجْ ،
- فّإذنْ ليسَ بائِعَ التُحف الخَمْس ملاذِي و لا أُسمِّيهِ عمِّي ؟
- أيُّها الهامِشِيُّ إنّي بتُولٌ ،
- و أنا كيفَ جِئتُ ؟
- هل جِئتَ حقًا ؟
أنتَ لا شيءَ . .
هكذا لخّصَ الموتُ سِماتِي ،
و هكذا : بينَ عيدين تذكّرتُ وجهَ أمي فمتُّ ،
و هي لم تعتَرِف بِموتِي ،
( فإنـِّي لستُ شيئًا حتى أموتَ )
و ما زلتُ أنادِي : بل ميِّتٌ و دُفِنتُ
و دلِيلِي ثِيابُكِ السـُّودُ ،
يمتَدُّ السَواد الأكِيدُ من كل رُكنٍ :
من سُعال القِطارِ ،
أو من دُخانِ المصنعِ المُستعارِ ،
من لهجة الكُحلِ ،
و مما يفِيضُ عن صبغة الليلِ ،
يجيءُ السوادُ من قلبٍ مهزُومٍ ،
فعل جاءت الحُرُوبُ لنُهزَمْ ؟
أم سَمِعنا بالحَربِ . . و اللهُ أعلمْ ؟
خبّأتُ في صُوفِ الخرُوفْ
لحمًا طرِيًا للوَلِيمةْ
و رأيتُ ليلَ أتى الضُيُوفْ
ذئبـًا
وَ تِلـكَ هِيَ الهَـزِيمةْ
و تمسّكتُ بالقَصِيدةِ ،
فاستَلّت سكاكينَها و قصَّبتِ القلبَ ،
طمأنينةٌ و شِعرٌ ؟
محطّاتٌ و شِعرٌ ؟
لا يَهدَأُ البَالُ في الشِّعر فجَرِّبْ سِواهُ ،
في هذا المجال يقُول السريّ الرفـّاءْ :
و الشِعرُ كالرِيح ، إن مرَّت على زهرٍ
تزكُو ، و تخبث إن مرَّت على الجِيفِ
رُوحِي بلادٌ من دُخانٍ ،
لم يرحم الله رُوحِي .
كُلُّها حبّةٌ من اللوزِ خضراء فماذا لو نوَّرتْ في جُرُوحِي ؟
ثُمَّ جاءَت من غيمةِ الصّيف أخبارٌ ،
قطارٌ من العصَافِير لا يَرْشَحُ أحلامًا ،
أو يُرَشَّحُ أيامًا ،
و لكن يُمشّطُ الحُلمَ الصّعبَ رأيتُ الشَعبَ النبيَّ ،
سلامًا أيُّها الشّعبُ ،
هذهِ الحربُ تعنِي أنّ ماءً ، لابُدّ ، يعتَرِفُ اليَومَ بأنهارِنا ،
و أنّ . . سلامًا أيتُها الحَربْ ،
أنتِ أوصيتِ قلبي أن يُربِّي زيتونةٌ وُسعُها العالَمُ ،
لكنْ . .
خرجتُ للسُوقِ أبتاعُ خُضارًا ،
و عندمَا عُدتُ كانت غيمَةُ الصّيفِ قد مَضَتْ ،
فسَلامًا غيمةُ الصيفِ ،
أشرَقَت غيمَةٌ ثانيةٌ في قتامَةِ الصّيفِ ،
خوفِي لم يُتِح لِي أن أُشعِلَ القَلبَ ،
لكنّ رذاذًا على دَمِي رَسَمَ الشعبَ ،
و كانتْ خلِيةٌ من دمِي تُشعِلُ قلبِي فتَسْتَضِيءُ الخلايا
وَ ..
مضَى الصّيفُ ،
غيمَةُ الصيفِ ،
نـارُ الصيفِ ،
لم تَبقَ سِحنَةٌ في المَرايا
وَ لهذا أعُودُ يا حبّةُ اللوزِ ،
بلادٌ تحُدُّ رُوحِي ،
و كان اللوزُ ، فِيما يُقالُ ، شيئًا ثمينًا ،
فلِماذا وَقعْتِ ؟
لو لمْ . . لكُنتُ الآنَ مُستَرخِيًا ،
و كانَ جبِيني مُستَراحًا ،
– أَكانَ يُرضِيكَ هذا ؟
– لا
– فماذا تُريدُ ؟
– هل يَستَعِيدُ الطفلُ ألاّ يَخافَ ؟
هل تَستَعِيدُ الأُمُّ أطفالها ؟
لها أن ألمّ الرَعدَ في جُعبَتِي ،
و أن أخطِفَ البَرقَ ،
فإنِّي أَلـّفْتُ ، وَحدِي ، شِتاءَ
- غيرَ أنّ السماءَ لم تُعطِ ماءَ
- أَلِهذا لم تَرضَنِي ؟
ألِهذا لستُ حتّى ميِّتًا ؟
دَمِ يتمَشّى في سهُولِ النهارِ ،
أشهَدُ أطفالاً كبارًا يُغيِّرُونَ تواريخَ ولاداتِهِم ،
يقُولون : أنّ الأرضَ ليسَت جزيرةً مَنسِيّة
و تَقَدّمتُ . بَادَلُونِي التَحِيّة
و رأيتُ الإنسَان في شكل إنسانٍ فما خِفتُ ،
مَرَّ وَحْشٌ فلَم أجْفَلْ ،
و مَرّت رصاصةٌ من بينِ عينَيَّ فلَمْ أُقتَلْ ،
كانَ لِي أن أرَى هذا ،
و كانت جماعةٌ ، من بُخارٍ ، تملأُ الأرضَ بِي ،
و كانت جمُوعٌ ، من غُبارٍ ، تُمالِىءُ الأرضَ
فيما كانَ قلبِي يشتَدُّ حتى يُصفِّي النبضَ ،
حتى تأتِي المَدينةُ :
- هذي حبَّةُ اللوزِ ، و هيَ ، بعدُ نواةٌ فاغتَنِمها . .
و اسألِ البيتَ ماءً ،
فلعلِّي أرْوي طريدةَ عُمرِي ،
لم تكُنْ ، ثمَّ ، قطرةٌ ،
كانَ ماءُ الوجهِ ، لا غير ، كُلّ مائِي ،
فألَّفتُ سماءً و زِدتُ فِيها شتاءَ
- غيرَ أنَّ السماءِ لم تُعطِ ماءَ
فاحفِر الأرضَ . .
ــــــــــــــ
دمشق 9 – 18 / 10 / 1979
من ديوان واحد و عشرونَ بحرًا / 1980 م.