أرواحُ الناسِ في برِّ مصرَ أرخصُ مما يتصورُ كثيرون. وكارثةُ عبارة البحر الأحمر أحدثُ دليلٍ على ذلك. فلم يتحسب أحدٌ لحمايةِ أرواح الركاب كما ينبغي. ولا نحنُ تحركنا كما ينبغي بعدما وقعت الواقعة. بل إننا لم نحزن كما ينبغي على ألفِ مصري راحوا ضحيةَ الكارثة. وأخشى ما أخشاه أن يلحقَ التحقيقُ بالقائمة، بحيثُ تتوه الخيوطُ، ولا نعرفُ ما جرى بالضبط، حينَ لا نتحرى الأمرَ كما ينبغي.
(1) كُلُّ ماجرى لا يخطرُ على البال، وفوقَ قدرتنا على التصديق، حتى إنني أزعمُ أن الجرحَ في المشهدِ المروِّعِ غدا أكبرَ من الجريح. ذلكَ أننا لم نكن بصددِ كارثةٍ واحدة، وإنما وجدنا أنفسنا إزاءَ سلسلةٍ من الكوارثِ والفواجع، قبلَ الغرقِ وأثناءَه وبعدَه. ولأنَّ الأمرَ كذلك، فقد تمنيتُ أن يكونَ تعبيرُنَا عن الحزنِ في مستوى الحدثِ الجَلَلْ، بحيثُ لا نصبحُ إزاءَ مِصْرَينِ وليسَ مصرٌ واحدة. الأولى مَكلُومةٌ يعتصرُها الأسى في صَمتٍ، والثانيةُ لاهيةٌ عن عَذاباتِ المفجوعينَ وآهاتِ الملتاعينَ، في حينِ تعلقت أبصارُها بمبارياتِ كأس أفريقيا، وملأت السماوات بالصخبِ والضجيجِ ابتهاجاً بالفوزِ في هذه المباراة أو تلك.
تمنيتُ أن نحتشمَ في التعبيرِ عن البهجةِ، احتراماً لحدثِ الموتِ الكبير، ومراعاةً لشعورِ أهلنا المكلومينَ والثكالى. وأحسبُ أنَّ تلك الرسالة كان يمكنُ أن يتلقاها الرأي العام ويتفاعل معها، لو أنَّ حِداداً رسمياً وَرمزياً أُعلِنَ لمدةِ ثلاثة أيامٍ على الأقل. وهوَ ماحدثَ في مصرَ قبل حين، مجاملةً ومُشاطَرةً لأحزانِ بلدٍ خليجي شقيق، انتقلَ قائدُهُ إلى رحمةِ الله.
لقد نُشرَ في صُحفِ الأسبوعِ الماضي أنَّ الثلوجَ في بولندا تراكمت فوقَ سطحِ مَعرَضٍ للطيورِ حتى أسقطته فوقَ رؤوسِ رُوَّادِه؛ مِمَّا أدَّى إلى موتِ63 منهم. وهُوَ ما اعتُبِرَ كَارثةً قومية، بسببها أُعلِنَ الحدادُ في البلادِ لمدة ثلاثةَ أيام. أُوقِفَتْ خلالَهَا الاحتفالاتُ الرسمية، ونُكِّسَتْ الأعلامُ، وفُتِحَتْ أبوابُ السفاراتِ البولندية في الخارجِ لتلقِّي العَزَاء. بَعدَ أن فرغتُ من قِرَاءة الخبر؛ِ كان لابدَّ أن أتساءل: ألا يستحقُّ غرقُ ألفِ إنسانٍ أن تُعَبِّرَ السُّلطةُ عن حُزنِهَا لموتِهِم، فتعلنَ الحدادَ لبضعةِ أيام، على الأقل لإشعارِ الجميعِ بأن الكارثةَ هزَّت الوطنَ كُلَّه، ولم تكن من نصيبِ سُكَّانِ “مصرَ الأخرى” وَحدَهم؟ ـ ودفعني الغيظُ إلى التساؤل: لو كانَ هؤلاءِ مِنَ السُّياحِ الأجانبِ، هل كانَ يُمكنُ أن يمرَّ موتُهم بهذه السهولة؟!
(2) صحيحٌ أنه أعلن عن صرف بضعةِ آلافٍ من الجنيهات تعويضاً للضحايا وأسرهم. وأن لجنةً وزاريةً شُكِّلت لبحث الموضوع. كما أوفد مجلس الشعب لجنةً لتقصي حقائق ما جرى. في الوقت ذاته شاهدنا صوراً لبعض المسئولين وقد افتتحوا اجتماعاتهم بالوقوف دقيقةً حداداً على الذين ابتلعهم البحر. وأعلمنا أن أعضاء مجلس الشوري تبرعوا ـ مشكورين! ـ بمكافأة يومين لصالح إغاثة المنكوبين. وحاولت الصحف أن تهدئ من روع الثكالى، فأبرزت تحت عناوين كبيرة آراء بعض العلماء الذين أفتوا بأن الغريق يحتسب عند الله شهيداً. وعقب ذلك أقيمت صلاة الغائب على أرواح الضحايا. كما أن أكثر من جهة قدمت إعانات وتيسيرات لأهالي المفقودين في النقل والاتصال. إلى غير ذلك من صور الإغاثة والتضامن المفترضة، لكن ذلك كله يظل جهد هيئات وأفراد، ومن ثم فإنه لايكفي، ولا يغني عن إعلان الحداد الرسمي، لمؤسسات الدولة كلها، في داخل مصر وخارجها.
لا نستطيع أن نتجاهل في هذا الصدد زيارة الرئيس مبارك للضحايا التي أبرزتها وسائل الإعلام، ونقلت تصريحاته التي ذكرت أن الرئيس أصدر تعلىماته بسرعة إنقاذ وعلاج المصابين. كما نقلت الصحف في وقت لاحق تصريحات للرئيس أكد فيها أن أرواح ضحايا العبارة يجب ألا تضيع هدراً، وأن المسئولين عن الكارثة يجب ألا يفلتوا من العقاب.
أثارت انتباهي تلك التصريحات، واستدعت عندي مجموعة من الأسئلة الحائرة من قبيل: لماذا من الأساس تحتاج سرعة إنقاذ المصابين وعلاجهم إلى تعلىمات من الرئيس؟ ولماذا يطلب الرئيس أن يتواصل التحقيق لمحاسبة المسئولين عن الكارثة، ولتحديد أوجه الخلل والقصور؟ وهل كان يمكن أن تمضي الأمور في اتجاه آخر، فلا يتم الإنقاذ والعلاج، ويفلت المسئولون عن الكارثة من العقاب، ويجري التعتيم على أوجه الخلل والقصور، إذا لم يصدر الرئيس توجيهاته بهذا الصدد؟ وهل صرنا بحاجة إلى تصريحات مماثلة في كل حادثة، حتي ولو كانت كارثة راح ضحيتها ألف مواطن؟ وأخيراً: لماذا أصيبت أجهزة الدولة بالتبلد حتى صار أداء الواجب الطبيعي والبديهي إزاء المواطنين يتطلب صدور توجيهات رئاسية؟
(3) حين تابعت التفاصيل فيما نشرته الصحف القومية والمستقلة، أدركت أن التدخل الرئاسي كان مهماً ومطلوباً. فصاحب الشركة المسئولة عن العبارة شخصية نافذة، جمعت بين الثروة والسلطة. وحسب المنشور فهو بليونير كبير، يملك أكثر من فندق خمس نجوم، كما يملك ويدير18 عبارة( كلها ترفع علم بنما)، وتعمل في بحار الله الواسعة. وهو في الوقت ذاته عضو في اللجنة العلىا للموانئ وأمين الحزب الوطني في مصر الجديدة، وعضو معين في مجلس الشوري( يتمتع بالحصانة)، وعلى صلة وثيقة ببعض كبار المسئولين في الدولة. وهذه المؤهلات وفرت له نفوذاً واسعاً مكنه من أن يُسير بواخره التي في البحر الأحمر بوجه أخص، رغم عدم توافر معايير السلامة لها.
وكأن ذات النفوذ وراء استصدار شهادات من الجهات الرسمية تتستر على العيوب وتؤكد لمسئولي المواني المختلفة بأن( كله تمام). بل إن صحيفة( المصري اليوم)( عدد2/6) ذكرت أن نفوذ الرجل كان وراءَ استصدارَ قرارٍ من وزيرِ النقل الأسبق بمد عمر السفن الأجنبية العاملة على الخطوط المصرية، بحيث تتجاوز الأجل المحدد بالنسبة للسفن المسجلة في مصر(15 سنة بالنسبة لسفن الركاب، و20 لسفن البضائع)، وهو ما مكنه من تسيير سفنه رغم تجاوزها للعمر الافتراضي( سفينة السلام98 التي غرقت أخيرا عمرها36 سنة)! ـ لذلك لم يكن غريباً أن تغرق ثلاث سفن من الأسطول الذي تمتلكه أو تديره الشركة خلال السنوات العشر الأخيرة. ولكن الغريب أن تمر تلك الحوادث دون حساب أو مساءلة، حتى أن اثنين من أعضاء مجلس الشعب السابقين( هما البدري فرغلي وأبو العز الحريري) ذكرا للصحيفة ذاتها أن الشركة كانت محل حماية من مسئولين في الدولة، وأن الحكومة كانت تتهرب من طلبات الإحاطة التي قدمت إلى المجلس بخصوص غرق العبارات في الفترة الماضية، بحجة أن النيابة لم تنته من تحقيقاتها في الحوادث.نقل عدد( الاهرام) الصادر في2/5 أن شركة( لويدز ريجيستر) المتخصصة في الملاحة البحرية ذكرت في نشرتها اليومية أن العبارة السلام 89 لا تستوفي معايير السلامة، وأنها ممنوعة من الملاحة في المياه الأوروبية، وأن شركة رينا الإيطالية التي أعطتها شهادة الصلاحية، تتعرض الآن للمقاضاة، لأنها سبق وأن أصدرت شهادة صلاحية مماثلة لناقلة البترول الإيطالية أريكا التي انشقت نصفين منذ ست سنوات.
ذكرت مصادر الصحيفة في نفس العدد أيضا أن العبارات التي تنقل المصريين كلها ذات عمر افتراضي منته، فيما عدا اثنتين منها تتبعان قطاع الأعمال العام! ـ ونقلت عن عضو في مجلس الشعب( محمد مصيلحي)، الذي يملك إحدي شركات الملاحة أن هيئة التفتيش البحري لاتقوم بالتفتيش على السفن على مستوي الجمهورية، وان إجراءات التصريح بالإبحار والسفر تصدر بصورة روتينية، دون أي مراجعة أو تدقيق.
في ذات عدد( الاهرام) خبر آخر كان باعثا على الحيرة، خلاصته أن مركزاً للإنقاذ في انجلترا رصد استغاثة العبارة المنكوبة، في حين لم تستقبل تلك الاستغاثة في مصر( هل كانت الأجهزة معطلة؟ أم أن الجميع كانوا يغطون في النوم؟) ـ وكانت النتيجة أن تأخر الإنقاذ ولم يبدأ إلا بعد17 ساعة من غرق السفينة،.
الوجه الآخر للمأساه تمثل في الفوضى التي حدثت على الشاطئ في سفاجا، سواء في إغاثة الناجين أو التصرف في الجثث التي تم انتشالها، أو التعامل مع جموع الأهالي الغفيرة التي توافدت على المدينة، جزعة وملهوفة، على التعرف على مصير الأبناء والأزواج والأقارب، الأمر الذي انتهى بالاشتباك مع الشرطة وتدمير وإحراق مقر الشركة صاحبة السفينة. وكان أصدق تعبير عن إدانة ذلك المسلك ما كتبه زميلنا الأستاذ سلامة أحمد سلامة في( الأهرام)( عدد2/7) وقال فيه: مرة أخرى تثبت الإدارة المصرية عجزها وفشلها وعدم كفاءتها في مواجهة الكوارث، وتبرهن على قسوتها وعدم اكتراثها في التعامل مع المشاعر الإنسانية لألوف المواطنين الذين فقدوا أعزاءهم، نتيجةَ إهمالٍ وفسادٍ تُسألُ عنه الأجهزة الحكومية.
(4) المفزع في المشهد أمران، أولهما أن الفساد والإهمال استشريا في مصر، على نحو تجاوز الاستفادة الشخصية من احتكار وتربح ونهب للمال العام، إلى تهديد حياة البسطاء والفقراء. ونموذج عبارة الموت ليس الحالة الوحيدة، وإنما هو بمثابة فصل واحد في دفتر أحوال الأزمة. الأمر الثاني أننا اعتدنا أن أغلب تلك الجرائم التي ترتكب بحق المجتمع تتوه في الحقيقة، وتقيد ضد مجهول في نهاية المطاف.
إن ألوف المصريين باتوا يُقتلون سنوياً بسبب حوادث القطارات وانقلاب السيارات وتصادمها على الطرق. وحتى لم يعد يمر شهر دون أن نفجع بحريق قطار أو تصادمه، أو خروجه عن مساره، أو سحقه المارين عبر المزلقانات. ومازالت حاضرة في الأذهان كارثة قطار الصعيد الذي احترقت سبع عربات منه في شهر فبراير عام2002، مما أدي إلى تفحم373 شخصاً من ركابه الفقراء( تحدثت أنباء لاحقة عن أن الذين قضوا حتفهم كانوا بحدود الألف) ـ وبعدما نظرت قضية الإهمال طيلة ثلاث سنوات،( حتى نسيها الناس) ـ صدر حكم في فبراير2005 بتبرئة كل المسئولين الذين اتهموا بالتقصير في السكة الحديد!
ومن أسفٍ أنني لم أستطع أن أعثر على إحصائيةٍ حديثةٍ تبين عدد ضحايا القطارات، لكني وقعتُ على تقريرٍ نشرته صحيفة( الوفد) منذ ثلاث سنوات ذكر أن أكثر من ستة آلاف شخص قتلتهم القطارات خلال10 سنوات، في حين أن21 ألفا أصيبوا بجروح. وأن مصر تشهد سنويا120 حادثة قطار بمتوسط عشر حوادث كل شهر.
أما ضحايا الطرق فحدث عنهم ولا حرج. ذلك أن الحصول على رخصة قيادة دون امتحان وغياب أي رقابة على السرعة، أيسر بكثير من تصريح تسيير ناقلة دون تفتيش ودون التحقق من استيفاء ضمانات السلامة. وليس بعيداً عن أذهاننا الحادثان المرعبان اللذان وقعا في الشهر الماضي( تصادم في قنا أدى إلى مصرع20 وإصابة 25 وانقلاب حافلة سياحية في الغردقة أسفر عن مصرع14 صينيا وإصابة30 آخرين).
في2005/1/20 نشر الأهرام أن7766 شخصا قتلوا في حوادث الطرق خلال عام2004، وأن حوالي40 ألفا آخرين تعرضوا لإصابات متفاوتة. الأمر الذي جعل مصر ضمن أعلى معدلات الموت على الطرق العمومية بين كل بلاد العالم. أن بسطاء الناس وفقراءهم هم الذين يدفعون الثمن الباهظ للإهمال والفساد. أما الأقوياء من الأثرياء وأصحاب النفوذ فهم ليسوا فوق الرءوس فحسب، ولكنهم فوق القانون أيضا. وهو ما يدعونا إلى ضرورة إعادة التفكير في أمور كثيرة، بعضها يتعلق بحظوظ الفقراء في زماننا، وبعضها يتعلق بإعادة الثقة في حياة ونزاهة التحقيقات التي تجري في قضايا الفساد ، والإهمال والبعض الآخر يتمثل في كيفية تحصين المجتمع ضد تداعيات التحالف المشهود بين بعض أهل السلطة والثروة، الذي غدا أقوى وأكثر فاعلية من تحالف الستينيات بين قوى الشعب العاملة.
————–
بقلم : فهمـي هـويـــدي