حارس الهاوية

مُختارات من شعر : دَلال جازي

In مُختَارَاتْ، دلال جازي، شُعَرَاءٌ on يناير 25, 2008 at 1:25 ص

الحقيقة
الحقيقة هي كل ما يهمني ،
لكنها تتفلت ، وتلتوي ، وتتشكل
تختبئ ، وتتوارى ، وتدير ظهرها.

أريد أن أقبض على الوعي في حالته الأولى
الرخوة الدبقة التي منها كان العالم ،
على الكلمة قبل أن تصبح معناها ، على المعنى قبل أن يصبح التباساته
أريد أن أمسك اليد التي هي يد.

وأن أفهم …

***

التاسعة صباحاً

أشعر بقلبي وهو ينبض ،
شيئ يبعث على الغثيان ، قلت لصديق تخيل أنك تمسك بفأر في قبضتك
حركاته الصغيرة المنتفضة وهو يحتك براحة اليد محاولاً الهرب ثم أنت تحكم أصابعك حوله ولكن باشمئزاز
هكذا أشعر
- لن تموتي ، قالها وهو يضحك ، ليست هذه بوادر سكتة قلبية
ازداد الوضع سوءاً ،
هناك حدة واصفرار
سأذهب للطبيب بعد قليل ، أنا لا أريد أن أموت
على الأقل ليس في صباح كهذا
- وماذا ستقولين له ؟
سأقول : في صدري فأر ونصف ليمونة !
صديقي مازال يضحك.

***

ماحدث لصرخة الغريق :

المقطع الأعلى منها ، الذي جاهدت حنجرته في حشر الهواء من أجله
الهواء القليل الذي كان سيلزمه ربما لثلاث دقائق أخرى يبقى خلالها حياً
هذا المقطع الذي اضطره إلى مثل هذه التضحية ولم يصل
أصابته القداسة ، وصار يد الله في الماء
الشهقات الصغيرة المتتالية ، ابتلعتها سمكة ضخمة في الأعماق ،
فانتفخت وطفت على السطح في المكان ذاته الذي غرق فيه
لا يهزها الموج ولا تتلقفها شباك الصيادين
ظلت واقفة هناك مثل عين فضية مفتوحة على الأبد ، أو شاهدة قبر
غرغرته الأخيرة ، كانت مالحة جداً وزرقاء
راق للبحر كثيراً أنها تشبهه ، فأخذ يرفو بها معطفه وجواربه القديمة
هي تلك الخيوط الطويلة من الزبد
التي تلمس أقدامنا كلما مشينا على الشاطئ
وكأنها تستجدي قليلاً من الإنتباه.

**

لا تثق

بالعصفور في اليد ، ولا اليد
ولا في الشجرة ، وما يحط عليها أو يتدلى منها.

***

هذه هي القيامة
تغط في سبات عميق ،
إذا لم يكفوا عن إزعاجها بضجيج معداتهم وسياراتهم العابرة على حوافها
ستستيقظ ،
وعند تثاؤبها
أو عندما تفتح فمها لتقول ” مالذي تريد أن أفعله يارب ؟ ”
ستبتلع العالم.

***

حياتي هي الكلب الذي أرمي له العظمة أبعد كي يتوارى ولو قليلاً
لكنه يصر على أن يتبعني ،
يمكنني أن أمشي في الشارع متظاهرة أنه لا يعنيني في شيء
هذا الكلب الضال والوقح
لكن لهاثه خلفي ونباحه المتكرر … يدفعني للجنون !

***

يباغتني الألم ،
أرى على الحائط آثار طرق مسمار … فيشتد
ألتفت ألى الطاولة الجانبية فأجد قرطاً وحيداً ، أحدق في طرفه المدبب الذي يثقب الأذن .. فيشتد
أغمض عيني ، فتأتيني صارخة صورة الفلبينية في معرض العطور ، بشعرها الأحمر المستعار … فيشتد

منذ المساء وأنا أميل على الجانب الأيسر من جسدي ,
وكل الغرفة تميل ،
الكتب في زاوية وأفكارها وشخوص حكاياها وكلماتهم الأخيره في الزاوية المقابلة
اللوحة الزرقاء ، ماؤها يفيض ويصل إلى يدي.
النافذة تنفتح وتنغلق ببطء ،
أشيائي تتوهج بفعل الحمى وترتفع
هي تتراقص بخفة وتحيط بي
لكن الباب بعيد …
الباب لا يدخل في اللعبة.
***

الأبواب المواربة !
المغلقة تنتظر الطرق أو أن تبحث في جيوبك لها عن مفتاح
المفتوحة ، تنتظر خطوة ،
لكن مالذي تريده تلك المواربة ؟
إنها مريبة ولئيمة جداً
مثل آخر يوم في هدنة
أو مثل وشاية.

***

أنتِ بقميصك الفضفاض بدوتِ كمن يعتذر عن شيئ ما ،

***

لو يطيل المكوث
خمس دقائق ، هو كل ما تحتاجه الشجرة الجرداء من وقت
لكي تعتاد على ثقل العصفور على غصنها الذي يكاد ينكسر
خمس دقائق فقط
لتظن أنه ثمرتها
وأنها حية حقاً !

***

تفاحة حمراء من البلاستيك ، موضوعة في طبق زجاج على الطاولة
بجواري ثلاثة عناقيد عنب ( بلاستيك أيضاً ) وكرة ليست برتقال ولا يقطين
شيء مشبوه وغير معرف ،
على وجهي آثار ثلاثة أسنان أمامية لطفل
ظن أني صالحة للأكل ، وكدمة على هيئة انبعاج بسيط للداخل عندما رمتني يد مرة للجدار
ولو فكرت في الارتداد حينها برشاقة
لربما تغير مستقبلي وأصبحت كرة.
وبرغم هذه التشويهات تبقيني السيدة دائماً في الصحن
لأني حمراء ودائمة اللمعان
لا أخشى الدود الذي ينخر كل ما هو حي ،
ولا شأن لي بتوقعات الصبية الذين يرمون الشجر بالحجارة لكي تسقط التفاحات المتعلقة في الأغصان العلوية ، أو يقفون في انتظار القريبة التي تتدلى ،

تفاحة حمراء من البلاستيك ،
لدي من الخفة ما كان سيمنع رأس نيوتن من التفكير في نظريات هامة لو أنني سقطت عليه
ولست مسئولة ، لست مسئولة أبداً … عن غضب الله من أحد.

***

أكره الجسر.
مالذي يهمه، لو أن ضفتين لن تلتقيا أبداً؟
أنا لا أفهمه!

***

كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة ،
هادئاً ، منقبضاً على نفسه في كرة من فرو لا تمس حوافها
أصابع الساحر وهو يشير إلى الجمهور ، ولا تنزلق في العتمة.
كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة ،
وليس على أحد أن يشرح لنا ، كيف تمكن من البقاء هناك
لا من قام بالخدعة ، ولا من صفق طويلاً بعد انتهاء العرض.
كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة ،
يتنفس ببطء الهواء المحبوس بين قوائمه والمخمل
ويرفع في الوقت المناسب أذنه اليمنى ليستمع إلى إشارة البدء.

كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة !

ولأنك تفهم هذا الآن ،
تفهمه متأخراً …
ستخبأ الكثير من الجزر في جيبك
وتظن أنك في كل مرة تخرج واحده منها ،
ستتساقط الرؤوس أمامك وتقفز
كلما أردت أن تعرف الحقيقة.

***

منذ سنوات وأنت تصرخ ،
هذه الأرض مرتفعة وأنا أقف على الحافة !
وكان بإمكانك أن تمشي للوراء خطوتين
حيث تتشكل تلال ووديان من أفكار طيبة ومريحة.
أو كان بإمكانك ببساطة
أن تكون جديراً بيأسك
وتسقط.

مالذي تنتظره ؟

***

بالغثيان الذي ينتابني ،
أشعر أنه تسري في عروقي مادة بيضاء
لمف أو هلام ، أطرافي تترقق إلى خيوط
والخيوط إلى دخان
جسدي يباغتني وينسحب من أكمام القميص إلى أعلى
الأرض لا تدور ،
يدوّخني السكون.
كل الأسطح جامدة ولا تعكس شيئاً
أنا وحدي أصعد
وفي منتصف المسافة سأتدلى مثل بندول ساعة حائط.
وعلي لكي أنزل
أن أتقيأ الإرتفاع ، اهتزازتي إلى اليمين واليسار
وكل الدقائق التي سبقت تمام الثانية عشرة.

***

لو أن الهاتف يرن ،
ستكون ممتناً ، ممتناً جداً ، لهذا الأحد الذي خطرت على باله في هذه اللحظة
لو أن أمك تناديك فجأة
أو أن إخوتك كسروا لعبة أو رموا بكرة أمام بابك ،
لو أن صوتاً غير مفهوم المصدر ، يشبه ارتطام سيارة بأخرى أو انفجار خزان دفعك لكي تهب على قدميك وتتحرك بضع خطوات نحو النافذة
لو شغلك شيئ ، أي شيء
أو أنك تنام ، تنام حقا
لأنقذك الله من الفكرة التي أتتك الآن على هيئة مخلب قط أو قرن شيطان !
***

يوجعني الهواء ،
يوجعني احتكاك الصحون ببعضها
عندما تلقى في المغسلة ،
يوجعني مذياع أمي
الدوائر الحمراء في الرزنامة
حشوة الفلين في الطرد الذي يسلمه عامل الدي اتش ال
يوجعني الممر الضيق من المدخل إلى غرفتي
حواف غطاء السرير ، وارتفاعه المريب عن الأرض
الستائر الطويلة ، لأنها طويلة
خفة أخي في القفز عن السلم
ثلاث درجات أخرى … توجعني
يوجعني مربع الرخام المنزوي بجانب خزانة الكتب
والذي يلقي عليه الباب نصف دائرة ظل كلما انفتح
يوجعني لأنه كان يمكنه أن يكون عتبة !
توجعني العتبة لأنه كان يمكنها أن تكون خطوة.

أثر ثقب الإبرة على الجلد : أبدية زرقاء
وكوب الشاي بالبابونج له مذاق جريدة.
***
قطعة الصخر التي كانت أصابعي تقبض عليها بشدة ،
الصلدة ، المتماسكة ، والتي في حجم راحة اليد تماماً
هي في الحقيقة فراشة
طارت بخفة بمجرد أن ارتخت قبضتي قليلاً.

***

ليست هذه جثث ،
إنها ما علق بالحبل من أنفاس ووصايا
شنقت السماء فتدلت شجرة
شنقت امرأة فتدلت كراسي خالية كثيرة.

***

هذه هي الغيبوبة :

جسد على سرير أبيض
يتدلى مثل فاصلة
وروح عالقة في مكان ما.

***

اقذف قطعة نقود , اقذف أي شيء معدني له رنين
في الفراغ الأسود الذي تقف بذهول أمامه
أصغِ جيداً … إن لم تسمع صدى
فإما أنه عميق جداً ، أو زائف !
تريد أن تكتشف حقاً ؟

ضع قدميك على الحافة , تأمل في سقوطك
واقفز.

***

لأنه قناع ،
لن يخدعني بحزنه ،
هذا الوجه وإن جف وتقشر … يمكن طلاؤه من جديد :

لا تغادر حفلتك التنكرية بعد
مازال هناك من يعزف الموسيقى.

***

لكن هل يرتدي كل منا ظله حين يحل الظلام ؟
أظن أن الظل ينتزع نفسه منا , ليتحد بظلال الآخرين ويصبح عتمة كبيره
الليل إذن : ظلال الآخرين مجتمعة
هذه الحياة المبالغ في إضائتها , تحرم ظلالنا من الذهاب إلى حفلتها التنكرية
الظل وحيد , يقضي يومه كله في ركن منعزل ونائي.
الجسد والظل يواجهان نفس المصير
والنتيجة ( وحده كونية عظمى )

***
الوسادة الصغيرة المتكأة على الأريكة
والفقد برائحة المشمش ,
والضوء !
هذا هو الخريف , عندما ينسى الشجرة في الخارج ويدخل البيت.

***

وردة اصطناعية حمراء مع بطاقة :

” فلتكن هذه هي الكذبة الوحيدة بيننا ,
انظر كم هي بائسة , لا رغبة لي بمزيد من الزهور البلاستيكية
الحقيقة حية وتموت , لا بأس
فلنحمل في أيدينا أشياء تشبهنا. ”

***

أحب اللون الجديد لشعري ,
كان الأسود ثقيلاً , فيه أصابع أمي وهي تمشطه في ضفائر
فيه شرائط طويلة , وصوت باص مدرسة وطابور صباح
فيه طفولة بأكملها
ثم خصلات تتلوى , فناجين قهوة , سهر , وعمر يكبر قليلاً.

الأشقر خفيف وبلا ذاكرة

***

أحسد الشرخ في الجدار
الخط الوحيد الذي لا يتوقع أحد استقامته
ولا أحد يطلب منه الوصول إلى مكان ما.
أعرج , وسعيد بنزهته !

***

أفكر في أنني أرتدي بيجامة بيضاء ,
هكذا ببساطة …
وأشعر أني مريضة , لأنني أرتدي بيجامة بيضاء
عدت من الخارج للتو
رأسي خالٍ وخفيف
يرتفع عن كتفي , وكأنه فكره لا تخصني
يدي ثقيله , الأكياس الملأى بالخبز والعلب المعدنية التي تركتها عند الباب
مازالت بين أصابعي ,
خط وردي ضئيل بين الإبهام والسبابة يؤلمني كلما ضغطت على الفأرة
ولا أفهم لماذا استمر في الضغط عليها , وتصفح مواقع لا تهمني
أفكر في كاندنسكي الآن
لأنني أرغب في التفكير فيه ,
علي أن أفكر وإلا ازداد مرضي
هذا الأبيض الذي أرتديه سيسبب لي الحمى
ولا أستطيع أن أبدله … قدماي في الأرض
والأرض كلها , حصاة ملساء زلقة
يمكنني أن أسقط بمجرد محاولة النهوض.
يمكنني أن أسقط ,

أريد أن أفكر في ألوان كثيرة …

***

ممتنة للضرس الأخير في فكي السفلي من جهة اليمين ,
لأنه كان طيباً ولم يؤلمني كثيراً
منذ يومين وانا اجد صعوبة في فتح فمي لتخرج الكلمات واضحة
أتحدث وكأن الحروف بدلا من أن تخرج , تدخل عميقاً في لأمضغها
صرت أشعر بمذاق ما أقوله , أتمتم حين أغضب بكلمات حامضة
وحين استرسل في وصف شيئ ما , استشعر بطرف لساني خفة الذاكره وهي تحوّل نفسها إلى رموز صوتية.
شيء دسم وأبيض , مثل كريما مخفوقة
ما كنت لأمر بهذه التجربة لو أن الألم كان شديداً
كان ذلك سيمنعني من الإحساس والتفكير
اشعرني ضرسي فقط أنه هناك , كان يرسل دفقات اليكترونية بسيطه يحدد بها محيط المكان حوله , ويكثف وجوده
هكذا بلطف وبساطه
والآن لا اشعر به
حتى انني افتقدته , لم يبق الا ذلك الانتفاخ الضئيل في خدي
عاد إلى وظيفته الأولى
مستسلماً بسلام
لطحن أطراف الخبز المحمص الذي أحرقته للتو.

***
المفتاح
الذي دفنته في الحديقة
خشية أن يُسرق
لن ينبت أبواباً …
ستحيط به رطوبة الأرض
ويصدأ
مثل أي قطعة حديد أخرى بلا فائدة
سيتحلل ببطء
ويفقد هويته
رسول النجاة المعدني الصغير
ماكان علي أن أعوّل عليه كثيراً.
***
كدت أن أصدق

ظلالهم الطويلة التي تسللت عبر السياج ,
لا تعني
أنهم معنا !
***

الشرخ الذي في الجدار ,
يبدأ من طبقة ديكور في السقف تشكلت من جبس أبيض قبيح
على هيئة زخارف متتالية بشكل آلي
ويمتد خلف لوحة , متأكدة أن المسمار الذي وضعته
لأعلقها عليه ليس مسئولاً عن تكوينه
هو شرخ جاء هكذا ! … من حيث لا أدري
يستمر في خطوه المتعرج حثيثاً نحو جهة ما
أظنها النافذة
يقترب ببطء ويقين
أصلي فقط كي لا يصل إلى هناك
عندي شعور داخلي بأنه إن وصل للنافذة
ستنكسر السماء !
***
صورة من أجل جواز سفر:

كنت أحدق في أبي الواقف على يسار المصوّر لأني لم أكن أفهم لماذا طلب مني الرجل الغريب بجواره ” أن أبتسم ” !
أحتفظ بها , لأنها صورتنا الوحيدة معاً ( أنا وأبي )
لم يكن ظاهراً لكني أنظر إلى عيني في الصورة لأراه.
***

أنا سأكون التلويحة التي نست يد
أن ترتفع بها عند المحطة الأخيرة

***
أذكر من طفولتي ذهابي مع أبي إلى السوق
فاجئنا حينها مطر خفيف ,
كنت أقف أمام فاترينة محل ذهب , أمسح بحركات دائرية الضباب وقطرات الماء الصغيرة
فأشعر أن الأصفر المشع الذي جاء من الذهب وضوء المصابيح المسلطة عليه يذوب في أصابعي.
خبأت يدي في جيبي وانتابني احساس انني سرقت كنزاً عظيماً ,
وأن صاحب المحل كان سيطاردني بعد قليل

***

أفكر في صوت السيارات الآتي من الخط السريع
ناعم وخاطف , هكذا يصل نافذتي لأن الشارع ليس قريباً جدا من بيتنا
لو كان للأبدية صوت , فسيكون هذا هو حتماً !
***

تكن إغماءة ,
كنت أعي تماماً نصف وجودي المتمثل في عينين مفتوحتين على اتساعهما
عندما استيقظت فجأة على صوت الصراخ في الخارج لأجد أنه لم يكن سوى شجار لطفلين من العائلة على لعبة
لكنني سقطت مفرودة الذراعين ولم أشعر حينها إلا بالعرق البارد في يدي
وبالصوت
صوت شاحنة كبيرة في رأسي
كان مريعاً بقدر ما كان جميلاً
لأنه طغى على كل الأصوات التي عرفتها في حياتي
أصغيت وهو يعبر مخلفاً وراءه هالات من الحرارة والضوء والغبار
جهدت في تصور شكل الشاحنة
زرقاء , حمراء , خضراء
لأؤكد لنفسي أنني لم أمت بعد
لم تكن إغماءة , كانت أقرب إلى تجربة روحية
لم يفسدها إلا شعوري بالغثيان بعدها
كان شبه صعود
كان شيئاً لا يمكنني تفسيره.
***

وحدها المفاجآتُ البسيطة تُقلقني
يُدهشني أنّ مفتاحاً يستطيع أن يفتح باباً ،
يدهشني أنّ يدي شيئاً أكيداً ،
يُدهشني أن اليونانَّي لا يُصيبُ
بسهمه الإِلي الفوريِّ الهدفَ المحال ،
يُدهشني أنّ السيفَ الوحشيَّ يمكن أن يكون جميلاً ،
وأنَّ للوردة رائحة الوردة.
***
البقاء في غرفة مضاءة بـ 250 فولت ( ليل / نهار )
يحولني إلى كائن يشع … ويتبدّد !
***

البرق الأعرج
الذي اتكأ على الأشجار
لم يقصد أن يحرقَ ظلالَها !
***
أن تصادق الجرح يعني
أن يخرج منك وتخرج منه … فتتمايزان عن بعضكما
ويكون لكل منكما كينونته الخاصة ,
أن تلقي عليه التحية في الصباح وتتأمله وهو يمشي معك الطريق
فتقيس حجمه بظلك , وترى أنك دائماً أطول وأكبر
أن تتذكره أحياناً وتنساه كثيراً … كما يفعل الأصدقاء
***
إلى : مسجات التهنئة بالعيد

لا أحبكِ
خصوصاً تلك المعلبة , القابعة في صندوق الحفظ بانتظار مناسبة
الأمر يشبه أن يصافحك الآخرون بثلاثة أصابع.

..

لماذا لا يأتون تماماً ؟

***

برد

هاتِ يدك
سأتوسد الإبهام
وألتحف أربعة أصابع
وحين تتأكد من نومي ,
إسحبها ببطء , رويداً … رويداً
ثم لا تلوّح لي بها
ولا توقظني !

***
يقف ,
مثل كف عجوز غجري وحيد
لايمكنه الرحيل للأمكنة
ولا التلويح لها.
***

الأرض الوحيدة التي لاتأنس بخطوات … ولو عابرة
تهرم سريعاً ويمتلئ وجهها بالتجاعيد.
***

بإمكان كلّ منّا
ألاّ ينام وحيدًا

لماذا لا تحرّك مقبض بابي
في هذه اللحظة
و تدخل
كضوء
***
أحبكَ متيقنة …
ولتذهب بقية أشيائي للاحتمالات
***

يخرج من غوايةِ الغرق
حاملاً وجهه الذي
كان زراً لقميص النرجس
يخرج …
تاركاً لك الخديعة
أيها الماء
لا تلاحقه بدوائرك !
***

سوء تقدير

عود ثقاب كان سيفي بالغرض
لم تكن مضطراً لإقامة حفل شواء ضخم
لروحي … !
***

يحدث أن تجرح يدي
فأجعل من تلك البقعه الداميه قلباً لزهرة
اعتني برسم بتلاتها بقلم حبر جاف
وحين انتهي , تبدو لي كائناً بشعاً
بعطر شاذ وغامض
تلك زهره لايمكنك أن تحتفظ بها في إناء زجاجي
ولا أن تهديها للآخرين
لك ان تقبض عليها فقط
وتنتظرحتى تذوي … لأنها لم تخلق إلا لهذا
يلتئم الجلد شيئاً فشيئاً
وتختفي خطوط القلم
وهكذا ببساطة
تنسى أنها نبتت هنا.
***
غرق

لماذا اتمسك بحبل
في طرفه الآخر نهايةُ العالم ؟
***
في آخر الطريق
يتشكل الضباب على هيئة شجرة
أرى خطوتي الضالة تتدلى من أغصانه
أرى عصفور دمع ينفض جناحيه
ويفر هارباً إلى صدري .
***

يقل الباب شيئاً
هو لايملك إلا هذا الصرير .. بكاء الريح التي حُبست بين أغصانه
يوم قطعوه من جذع أمه
له ذاكرة مثقلة بمراجيح وأعشاش وظلال وارفة
له أيضاً أسبابه التي تمنعه من الهرب !

***

كل هذا البحر لا يتسع لحزنها
تلك التي تشبه بقعة زيت سوداء
ستطفو على السطح
ولن تصل إلى خلاصها أبداً
***
يلزمني قليل من الوقت
ليعشق هذا الإنكسار صورته في الماء
ويغرق

***

عامل المسرح العجوز
يكنس ما تبقى من ضحكات الجمهور
وأقنعة الممثلين , بعد انتهاء العرض كل ليلة
ثم يتكأ على جدار وهمي علّقت عليه مجموعة من الصور الغامضة
في ضوء سيجارته الشاحب يمكنه رؤية يدين من بعيد
لهما نفس التجاعيد التي يحملها
تصفقان طويلا .. طويلا
بخطى متعبة يسير نحو الصف الأول
وينحني ,
لكن الستارة تخذله دائماً حين ترتفع …

***

ثمة سواد … لم يتمكن من القفز عبر هذا الشباك الضيق
سواد هائل وقوي وصارم يهز بيديه الجدار فيتصدع
ليتسرب شيئا فشيئا عبر شروخه ويصب في ظلال المارة
لم ينتبه أحدُ إلى أن الكائن الذي يلتصق بأقدامهم ليحتمي بها من حرارة الشمس
يغدو أشد لزوجة وقتامة كلما عبروا من هنا …
***
لم يكن جباناً
أحب الموت أكثر مما ينبغي
فلم يصرخ في وجهه أبدا
القطط السوداء تموء في داخله
تخدشه …
فتسيل خلاياه في ارتعاشات كثيفة
هل كان عليه أن يحاول قتلها ؟
ليصبح مثلهم مثقلاً بفرو شاحب ومخالب مقلمة
كم قطة ميتة يحملون في صدورهم
أولئك الذين يمشون بخطى واثقة !
كان خفيفا بهواجسه …
يسند رأسه للجدار , يطلقها في آخر الليل
ويأنس لالتماعات عيونها الحادة في الظلام
لا يشاركه أحد متعة التنزه الأخير
غير سيجارة تمطر رئتيه بالدخان .
***

لا تعرف من منهما كان يشعر بالوحدة أكثر
حين هشم جسد الآخر في محاولة بائسة لاحتضانه
هي أم الوجه الذي أطل في المرآة
آلاف العيون حدقت بها من شظايا الزجاج المتناثرة على الأرض
ترقب بفزع قطرات الدم المتدفقة من يديها
التحفت بشرايينها الممزقة لتنعم بموت دافئ
وابتسمت للوجه الذي لملم عيونه الألف مغادرا المشهد …
***
الريح
هذه القرويّة الطيبة
تسوق قطيع الغيم كل صباح بهدوء
تجلب لنا الماء من مراعي الزرقة في الأعالي
لا أحد يبتسم لها … أو يرفع قبعته شاكرا
تضنيها الوحدة
تركل العلب المعدنية الصدئة في الطريق بغضب
ثم تبكي في شقوق جدار قديم:

من يمشط شعري في غياب الأجنحة ؟
من يمنح صوتي فما حين تسقط الأوراق ؟
من يفتح أبوابه لي في هذا الشتاء القارس !
أنا أيضا … يقتلني البرد !!!

—————-
* دلال جازي شاعرة كويتية من الجيل الأحدث، تنشر قصائدها في عدة جرائد وأماكن، وتكتب في مدونتها : The Corridor

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: